الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

352

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

فمصّها ، فظنوا أن الصبي لمّا بقي في الدار ، وبقي منسيا ، واشتدّ جوعه ، ورأى أجراءها تستقى من أطبائها ، حبا إليها ، فعطفت عليه ، فلما سقته مرة أدامت ذلك له وأدام هو الطلب ، والذي ألهم هذا المولود مصّ ابهامه ساعة يولد من بطن امهّ ولم يعرف كيفية الارتضاع هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة ( 1 ) . وبالجملة ، الرزق كالأجل يأتي صاحبه أينما كان ، ولا يختصّ بالإنسان ، بل يجري في كلّ ذي حياة ، فكما أعطاه الحياة يعطيه الرّزق ، قال تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّا عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 2 ) . وفي تفسير : القمي أتى بختنصر بعد قتل بني إسرائيل على دم يحيى بابل ، فبنى بها مدينة وحفر بئرا فألقى فيها دانيال وألقى معه لبوة ، فجعلت اللبوة تأكل طين البئر ويشرب دانيال لبنها ، فلبث بذلك زمانا ، فأوحى تعالى إلى نبي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه منّي السلام . قال : وأين هو قال : في بئر ببابل في موضع كذا وكذا . فأتاه فاطلّع في البئر ، فقال : يا دانيال قال : لبيك صوت غريب ، قال : إنّ ربّك يقرؤك السلام ، وقد بعث إليك بالطعام والشراب فدلّاهما إليه ، فقال : الحمد للهّ الذي من توكّل عليه كفاه ، الحمد للهّ الذي لا ينسى من ذكره ، الحمد للهّ الذي لا يخيّب من دعاه ، الحمد للهّ الذي من وثق به لم يكله إلى غيره ، الحمد للهّ الذي يجزي بالإحسان إحسانا ، الحمد للهّ الذي يجزي بالصبر نجاة ، الحمد للهّ الذي يكشف ضرّنا عند كربتنا ، الحمد للهّ الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منّا ، الحمد للهّ الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننّا بأعمالنا .

--> ( 1 ) الحيوان 2 : 155 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) هود : 6 .